حبيبتى داخل صندوق الحاسوب
على
نفس المنوال .. رتابة الحياة .. العمل .. فالغداء .. ثم النوم .. ثم
الخروج والجلوس على المقاهى .. الشيشة .. نرد الطاولة .. فالكلام الذى
لاينتهى فى الرياضة والسياسة ونختمها بمجلس الفتوى .. هكذا أنا .. وهكذا
نحن .. لفترات طويلة لم يحدث لى أى شئ مغاير للحياة .. الأحلام عادية ..
الأمور نسبية على مايرام .. تعودت الرتابة .. تعودت حتى الكآبة .. إلى أن
وصلت ببيتى وصلة الأنترنت .. كنوع من التقليد الأعمى للناس .. وليس
لمواكبة العصر .. وركب الحضارة والرقى ..
أهملته
قرابة الثلاثة شهور .. اقترب منه قليلا لتصفح الجرائد .. أزيل سواد
الجرائد من يدى بغسلها بالصابون .. ولكنى أعود إليها بتصفحها عبر الحاسوب
..
فمن ذا الذى يغسل مقرأته عيناى عبر الإلكترون .. حتى أصبح شئ أعتادعليه .. وأدلف بل أتوق إليه .. ثم يعود يومى كسابقه ..
إنتابتنى تلك الوعكة الصحية .. الزمتنى الفراش . لا عمل .. ولا مقهى ..
فأحببت
أن أملأ فراغ اليوم .. أجلس أمام الحاسوب متصفحا للجرائد .. حتى مللتها ..
فكرت مليا كيف أشغل يومى عبر هذا العالم المفتوح .. تعلمت البحث .. بكلمات
مفتاحية .. اليوم طويل .. تعاركت مع جهازى .. أشغله .. أعطله .. مئات
المرات باليوم الواحد .. أستمع الموسيقى .. أختمها بصوت الشيخ رفعت ..
إمتزجت أنا والحاسوب .. أصبحنا كيانا واحدا .. شهر واحد متفرغا له كان
كافيا لعمل تلك الألفة
بينى وبينه .. لم تكن الألفه أكثر من الحاجة و التى وطدت الصداقة بينى وبينه ..
صديق جديد .. صندوق بلاستيكى .. رقائق وشرائح إلكترونية .. تربطنى بمليار
موضوع .. وملايين الأشخاص .. مجرد أن تفتش عنهم .. تستدعى أسماءهم
لا تتعب نفسك وتسافر لأحد .. فالكل أمامك ..
أوشكت أجازتى المرضية على الإنتهاء .. وأنا والحاسوب قطعة واحدة ..
كيان واحد .. ولكن حدث مالم أكن أعلمه .. حين يخفى القدر حكمة الأحداث
والعوارض التى تعترينا .. جلست يوما .. يخفق قلبى ككل الناس .. يوم عادى
يوم تشدك الرياضة .. مرة تبحث فى الدين .. ويوم فى الحب
ذهب إلى محرك البحث .. بكلمات بسيطة .. عن الحب والرومانسية ..
فتحت
أمامى آلاف بل ملايين الروابط والموضوعات .. كل ماعلى أن أجهد يدى وأختار
منها .. وبعشوائية .. إختارت يدى ضربة من ضربات الحظ .. فتحت شاشات زرقاء
لعينى .. عنوان أكثر من الرائع .. صممت أن اقرأه .. لم يكن لزاما على
الثبوت محلى .. كان فى خيارى العودة والتفتيش عن عنوان آخر .. ولكن
العنوان شيق .. بل أكثر من شيق
جعلنى
أصمم على قراءة موضوعه .. ولكن الموقع فاجئنى .. افجعنى .. قال لى لابد لك
من التسجيل .. كنت محبا ألا يأسرنى أحد بخصوصيته .. ألا يحتكرنى أحد ..
ألا يفرض شروطا على .. ولكنى أطعت الأمر بالتسجيل .. وتكملة إستمارة بياناتى ..
فلا
أعلم للآن لماذا فعلت .. ولكنى أكملت كمجبر مقهور .. فى أكثر من نصف
الساعة وأنا احول أن أسجل .. نجحت أخيرا .. وسجلت .. عدت للموضوع
.. قرأته بتمعن .. لأول مرة يخفق قلبى .. من كلمات .. من أنات بلا صوت ..
أحاسيس إلكترونية .. ولكنها كانت من أشعل رومانسية جديدة فى قلبى ..
إمتلكت
تلك الكلمات كيانى .. أنا من لاتزول عنه تكشيرة وعبوث الوجه .. تنفرج
أسارير نفسى .. ساد البياض لوجهى الأسمر .. شعاع النور يخرج من جبهتى ..
الحب .. أهناك حب ؟ كلام وحكايات ..
كنت أعتقد ذلك .. بحثت كثيرا عن كاتب الموضوع ..
فتشت فى كل موضوعاته .. إنها الآنسة س ص ع
زاوية فى مثلث برمودة .. إشعاع الحب .. توزعه على من فقده
تربت على كتفك إن كنت فى مأساه .. تقبل جبينك إن كنت مكسور الخاطر ..
أهات وأنات .. وفحيح الأفاعى من غريمك عبر قصائدها .. فأنت دائما الحبيب
تعتقد
من الوهلة الأولى أنك حبيبها .. لا أحد غيرك .. فمرة تسغيث بك لتنجدها ..
وتمد يدك لتعبر شاشة الحاسوب لتمسك بتلابيب ثوبها لتنقذها من أن تهوى من
ناطحات السحاب .. تلبسك بدلة الغواصين معها لترى الدر فى البحر ..
الحقيقة سلبت إرادتى .. لم أرى غيرها فى الكون .. فى الحياة .. س ص ع
ملأت فكرى ملأت حياتى حبا ..
تنتهى
أجازتى أعود لعملى .. الكل يفاجئ بعودتى .. يستعجبون بابتسامتى غير
المعتادة عليهم .. يتهامسون فيم بينهم .. ماذا غيرنى .. أكان المرض كفيلا
بأن يجعله مبتسما .. ما أرغمهم على السكون هو أننى كنت الذى يدير قسم العمل ..
مع كونى الأصغرهم سنا .. قضيت أول أيام العمل بعد العودة ببهجة شديدة ..
وكانت
أيامى القادمة بعد الاول كذلك .. حتى اعتادوا على ابتسامتى .. تغير العمل
من روتينية معهودة .. إلى إبداع حقيقى .. قبضت كل العاملين فى يدى ..
تحكمت فيهم دون أن يدروا .. الحب أسرهم لى .. جمعهم تحت زراعى .. ذهب
اليوم الأول لحاله .. تقت لحاسوبى ثانية .. عدت إليه .. عالمى الثانى ..
ابتسم إليه .. اضمه لصدرى ضما .. جنون الإلكترون يعبث بعقلى .. وكأن عقلى
مجموعة شرائح ولفافات وأسلاك .. ألياف إلكترونية .. وهم أم حب .. ابحث عن
كلماته ثانية .. لأول مرة أترك قيلولتى المعتادة .. يتصبب العرق من جبهتى
.. أتنهد .. ابكى دمعا .. اضحك كمجنون بمفرده .. أتعايش .. أحب واكره ..
تملؤنى السعادة والحزن والارق والتعب فى وقت واحد .. أحارب تارة .. وأكون
اسيرا فى سجون العدو تارة أخرى ..
قررت
أن أحادثها .. قمت بالرد على موضوعاتها .. أريد أن ازيل السد المنيع بينى
وبينها .. جبال وجبال قد تفصلنى عنها .. تخبطت افكارى معها .. أهى هنا ..
أم يفصلنى عنها ألاف الكيلو مترات .. أم أنها فى الدور العلوى .. تفحصت
الناس أن تكون بينهم .. أعتقدت أنها ليست من المارة فى الشوارع .. أعتقدت
أنها لا تأكل خبزا .. لاتشرب ماءً .. لاتخطو وتسير على الأرض خطوا ..
أعتقدت أنها حاشى لله أنها ملاك من ملائكة الرحمة .. تغيرت الفكرة سريعا
.. وعلمت أن العصمة لاتكون إلا لنبى .. فأخيرا هى مثلى .. واحدة من البشر
الكثر التى تملؤ البسيطة .. ولكن قلبى إختارها هى دونا عنهم .. مخيرا أن
تكون هى بينهم .. مجبر قلبى فى ذلك ..
تملكت
زمام نفسى أخيرا .. حاولت البحث عبر بريدها الالكترونى .. بمصادفة القدر
وجدته .. حدثتها بكثير من الذوق .. بتنويه عن مشاعرى المكنونة .. قد تكون
مشاعر مجنونة .. أمهلت الرد ايام اربع .. والعضو النابض فى القفص الصدرى
يعتصر آلاما ..
خاطبتها
فى الايام الاربع عبر خيالى كثيرا وكثيرا .. نسجت اليها اشعارى .. دون
دفتار ولا قرطاس ولا قلم .. وقفت أمامها أخاطبها .. أحتسى واياها الشاى
قبيل المغرب فى الشرفة التى يكسوها الورد المعلق فى منزلنا القادم .. تدمع
عينى لعدم الرد .. مقهور قلبى منكسر .. مازالت تشغل افكارى .. مازلت اشعل
دخانى .. الواحدة تلو الاخرى .. أفرغ مطفئتى التى كانت قوقعا من قواقع
البحر .. أغسلها بالماء .. أضعها على أذنى .. لست أسمع غير صوتها عبر
القوقع البحرى .. صوت البحر والهواء فى الوقت نفسه .. همس صوتها .. وصوت
همسها .. خيال مؤرق .. متعب ومرهق ..
انقطع الصوت بالعودة من العمل فى اليوم الرابع من رسالتى إليها .. ووصلنى الرد
بكلمات عزبة ورقيقة .. إنها تشاركنى الحقيقة .. بحياء الأنثى تراسلنى .. تكتب لى ..
تشاركنى
معاناتى .. ثانية بتواصل مباشر تعانقنى .. ما احمقنى .. لما لم أذهب
للحاسوب من سنوات عدة .. القدر المخبوء لاعبنى .. وداعبنى ..
تبادلنا الرسائل العدة .. بحياء الأنثى ثانية تراسلنى .. تمرمغ بى التراب بحلو حديثها
وتزيله عنى ثانية .. أستشعر فيها قوة برية .. بحياء الأنثى تقاتلى .. كفارس بالف سيف يقتلنى .. ويدغدغ كيانى .. ويسرق اوقاتى ..
مرت ايام عدة .. تراسلنا كثيرا وكثيرا .. كان عقلى ملحا فى طلب مقابلة حقيقية ..
ابت
ورفضت .. ثم وافقت .. كدلال احبة جدد .. تقابلنا .. صورتها بمئات صور
النسوة .. مرة كطفلة .. ومرة كفتاة صغيرة فى الجامعة .. ومرات كأنثى كاملة
.. أشتاق لرؤياها .. عبرت ثلاث مئة كيلو متر لاراها .. مهما كانت .. وايا
ماسوف تبدو عليه .. لأن أغير وجهتى .. لن أغير نظرتى إليها .. جميلة كانت
.. أم غير ذلك
احبها
كماهى .. أحببت فيها وقع الكلمة .. بلاغة الكلام .. عذب الكلام الذى يسطر
عبر شاشات الحاسوب .. طوال الطريق أفكر فى لقياها .. أخذت أجازة ليومين ..
لا ارى فى الطريق سواها وكأننى أحد الفراشات ذهبت لنور النار لتحترق ..
شعاع يجذبنى .. يشدنى شدا إاليها .. مغناطيسية عجيبة .. هى من نادتنى فى عالم الذر .. هى من قدر الله حبها فى قلبى ..
وأخيرا حانت لحظة اللقاء الحتمى .. لقاء القدر.. لقاء كتبه الله منذ الازل ..
إنتظرت ساعة كاملة حتى أتت .. تفحصت الجالسين فى الكازينو المطل على البحر
لم أراها بينهم .. لم أستشعر بوجودها .. حتى أتت من على بعد ليس بالقريب ..
مغناطيسية
تشدنى .. تجرنى .. هى ىتية على قدميها .. ولكن قلبى فى الحقيقة هو الذى
يسير إليها .. ميزتها بين المارة .. بين جموع الناس .. كانت كما كنت أظن
تمتلك قدرا كافيا من الجمال الأنثوى .. حديثها ككتابتها ..رائع ملح عذب رقيق ..
لم
تخرج عن أدب الحديث .. من أول وهلة صارحتها .. بحبى الذى ملك جنبات النفس
.. وطوى داخل اضلعى .. لم يبق لى من الدنيا إلا هى دون شرك بالله
فكان
دعائى إليه وتضرعى باكمال ماتمنيته .. تمنعت بذكاء الأنثى عن مشروع الحب
.. هربت فى غير واد من كلمات .. ثرثرت كثيرا على قدر صمتها ..
وكأننى أعرفها منذ ولدت .. لم تجد مفر منى .. أحطتها بكل حبالى أقيد به تفكيرها
وضعتها فى زاوية واحدة .. أن ترضخ لكلامى .. ألا تفكر إلا فيما قلته ..
ولكنها بترت الشك والريب وقطعتة بنصل اليقين وحدثت بثم ماذا .. وأما بعد ..
أما بعد وأما قبل فليس إلا الشرع ليربطنا .. وليس إلا الله يبارك زواجنا ..
فكرت هى مليا فيما قلت لها .. عقلت الموقف عن إنسان يحبها ..
الحقيقة اقول أنها بادلتنى كل ما قلت لها .. ولكن الأنثى صعبة المراس دائما
لاتفصح من أول وهلة عما يجيش بصدرها ..
حدثتنى
بكل ذلك بعدما اصبحنا زوجين .. بعد سنوات قلة حدثتنى بما كانت تشعر به
نحوى .. وعانت مما كنت اعانيه .. كانت تحب أشعارى وأزجالى .. عرفت أنى
اقصدها دون النسوة .. عرفت أننى لا أملك تلك القسوة .. عرفت أنها كل صفحات
كتاباتى .. لكن الزواج أزال قليلا من النشوة .. وهدأت أسرايرى وأسارريها
لكن أخيرا .. أصدققكم القول .. بعد الحياة المعتادة بعد زواجى منها .. أطفال .. وطعام
وذهاب
للعمل .. ومهام حياتية .. أمش خلسة بالليل .. عبر أمشاط الأقدام .. لكى لا
أزعجها وهى تغط فى النوم .. أسترق الوقت .. بعيدا عن غرفة نومنا ..
أتسلل إلى الحاسوب ثانية . مازلت أصدقكم القول .. لكى أقرأ كلماتها
لكى اعشقها ثانية .. أعشق من كانت حلما .. واليوم الان واقع
أنها تغط فى النوم بجوارى ..
ولكنى مازلت أحلم بها .. بشاعرة ناثرة .. تبذر الدر فيطرح أشجارا من أحجار كريمة
مازلت ارد على موضوعاتها البراقة .
أحضنة .. اقبله كلما رايت لها شيئا جديد
ولكنى أخيرا واصدقكم القول